أبي نعيم الأصبهاني
262
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
قال : تأمر الحكمة بكل ما يحمد في الباقي أثره ، ويطيب عند جملة الناس خبره ، ويؤمن في العواقب ضرره . قال : فمن يستحق أن يوصف بالحكمة ؟ قال : من إذا قال بلغ المد أو الغاية فيما يتعرض لنعته بقليل القول ، ويسير الإشارة ، ومن لا يتعذر عليه من ذلك شيء مما يريد ، لأن ذلك عنده حاضر عتيد . قال : فبمن تأنس الحكمة وإلى من تستريح وتأوى ؟ قال : إلى من انحسمت عن الكل مطامعه ، وانقطعت من الفضل في الحاجات مطالبه ، ومن اجتمعت همومه وحركاته في ذات ربه ، ومن عادت منافعه على سائر أهل دهره ، . * حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب قال سمعت أبا القاسم الجنيد ابن محمد يقول : إن للّه عبادا صحبوا الدنيا بأبدانهم ، وفارقوها بعقود إيمانهم ، أشرف بهم علم اليقين على ما هم إليه صائرون ، وفيه مقيمون وإليه راجعون ، فهربوا من مطالبة نفوسهم الأمارة بالسوء ، والداعية إلى المهالك ، والمعينة للأعداء ، والمتبعة للهوى ، والمغموسة في البلاء ، والمتمكنة بأكناف الأسواء ، إلى قبول داعى التنزيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل إذ سمعوه يقول : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) فقرع أسماع فهومهم حلاوة الدعوة لتصفح التمييز ، وتنسموا بروح ما أدته إليهم الفهوم الطاهرة من أدناس خفايا محبة البقاء في دار الغرور ، فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب المراقبين معها ، وهجموا بالنفوس على معانقة الأعمال ، وتجرعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه في معاملته ، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه ، وهانت عليهم المصائب ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، واغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح ، وأماتوا شهوات النفوس ، وسجنوا همومهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم ، وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مراقي الغفلة ، وأقاموا عليها رقيبا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذرة في بر ولا بحر ، ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط به خبرا ، فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها ، واستبقت منافسة لأبناء جنسها ، نفوس ساسها وليها وحفظها بارئها ، وكلأها كافيها . فتوهم يا أخي إن كنت ذا بصيرة ما ذا يرد عليهم في وقت